الشيخ محمد رشيد رضا

10

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ هذا عطف على ( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) * وليس جوابا لشعيب عليه السّلام ولا داخلا في هذه المراجعة بينه وبينهم إذ لو كان كذلك لفصل ولم يعطف ، بل ذلك ما قالوه له والمناسب فيه وصفهم بالاستكبار فهو الذي حرأهم على تهديده وإنذاره الاخراج من قريتهم المشعر بأنهم هم أصحاب السلطان فيها ، وهذا ما قالوه لقومهم اغواء لهم بصدهم عن الايمان له ، والاخذ بما جاء به ، والمناسب فيه وصفهم بالكفر ، فهو الحامل لهم عليه ، سواء كان سببه الاستكبار عن اتباعه أو غيره ، بل لو علم أو لو الرأي من قومهم أن سبب صدهم عنه هو الاستكبار والعتو لما أطاعوهم ، ولذلك عللوا لهم صدهم عنه بما يوهمهم أنه هو المصلحة لهم إذ قالوا لهم بصيغة القسم لئن اتبعتم شعيبا انكم في هذه الحالة لخاسرون ، وحذف متعلق الخسار ليعم كل ما يصلح له ، اي خاسرون لشرفكم ومجدكم ، بايثار ملته على ملة آبائكم وأجدادكم ، ومناط عزكم وفخركم ، واعترافكم بأنهم كانوا كافرين ضالين وانهم معذبون عند اللّه تعالى - وخاسرون لثروتكم وربحكم من الناس بما حذقتموه من تطفيف الكيل والميزان وبخس الغرباء أشياءهم لا يتزاز أموالهم ، وأي خسارة أكبر من خسارة الشرف والثروة ؟ فمعلوم أن اللام في قولهم « لئن » موطئة للقسم وهي أقوى مؤكد للكلام ، والجملة الاسمية وتصديرها بأن وقرن خبرها باللام وتوسيط « إذا » التي هي جواب وجزاء بين طرفيها - كل ذلك من المؤكدات لمضمونها الخادعة لسامعيها ، وان مثلها مما يروج بين أمثالهم في كل زمان ، ولا سيما زمن التفاخر بالآباء ، والتعصب للأقوام والأوطان ، فإننا ابتلينا في دعوتنا إلى الاصلاح بمن كانوا يصدون الناس عنا وعن نصيحتنا لأهل ملتنا بأننا لم نولد في بلادهم ، ولا ننتمي إلى أحد من أجدادهم ، على أننا ننتمي بفضل اللّه تعالى إلى آل بيت نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وان منهم من لا يعرف له نسب ، ومنهم من ليس من القبط ولا العرب ، واننا نرى أشد الشعوب عصبية للوطن لا يجعلونها سببا للصد عن العلوم والفنون ولا الدين ومذاهبه وانما التنافس بينهم في جعل كل واحد منهم وطنه أعز وأقوى وأغنى وأقنى ولو باقتباس العلم من الآخر : نرى رجال الدين الكاثوليكي من الألمان والفرنسيس أعوانا على نصر الكثلكة ونشرها في بلادهم وغيرها ، كما نرى مثل هذا بين رجال البروتستانية من الألمان والانكليز ، كدأبهم وسيرتنهم في العلم ، فعلماء كل شعب